الغزالي

98

إحياء علوم الدين

جمعا بين حق الضيافة وترك الخداع . فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره . ولا ينبغي أن يعول على أنه لا يدرى فلا يضره . فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثّر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه . ولذلك تقيأ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وكانا قد شربا على جهل وهذا وإن أفتينا بأنه حلال للفقراء ، أحللناه بحكم الحاجة إليه . فهو كالخنزير والخمر ، إذا أحللناهما بالضرورة . فلا يلتحق بالطيبات مسألة : إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه ، فليمتنع عن مؤاكلتهما . فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض . بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى : فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع ، فهذا قد عارضة أن الورع طلب رضاهما ، بل هو واجب . فليتلطف في الامتناع ، فإن لم يقدر ، فليوافق ، وليقلل الأكل ، بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ، ولا يتوسع فإن ذلك عدوان . والأخ والأخت قريبان من ذلك ، لأن حقهما أيضا مؤكد وكذلك إذا ألبسته أمه ثوبا من شبهة ، وكانت تسخط برده ، فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن لا يصلَّى فيه إلا عند حضورها ، فيصلَّى فيه صلاة المضطر . وعند تعارض أسباب الورع ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق وقد حكى عن بشر رحمه الله ، أنه سلمت إليه أمه رطبة ، وقالت بحقي عليك أن تأكلها وكان يكرهه ، فأكل . ثم صعد غرفة ، فصعدت أمه وراءه ، فرأته يتقيأ . وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين صيانة المعدة . وقد قيل لأحمد بن حنبل ، سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة ؟ فقال لا ، فقال أحمد هذا شديد . فقيل له سئل محمد بن مقاتل العبادانى عنها ، فقال برّ والديك ، فما ذا تقول ؟ فقال للسائل ، أحب أن تعفيني ، فقد سمعت ما قالا ثم قال ! ما أحسن أن تداريهما مسألة من في يده مال حرام محض ، فلا حج عليه ، ولا يلزمه كفارة مالية لأنه مفلس ولا تجب عليه الزكاة ، إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلا ، وهذا يجب عليه إخراج الكل إما ردا على المالك إن عرفه ، أو صرفا إلى الفقراء إن لم يعرف المالك